عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

243

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الجنوبي من الأرض ، نسبتهم من الأرض نسبة الخواطر من النفس ، لا يعرف عددهم ولا يدرك حصرهم ، لم تطلع الشمس على أرضهم أبدا ، فلأجل هذا غلب عليهم الضعف حتى أنهم لم يقدروا في هذا الزمان على خراب السد ؛ ثم سلك الجانب الشمالي حتى بلغ محلا منه لم تغرب الشمس فيه ، وهذه الأرض بيضاء على ما خلقها اللّه تعالى عليه هي مسكن رجال الغيب ، وملكها الخضر عليه السلام ، أهل هذه البلاد تكلمهم الملائكة لم يبلغ إليها آدم ولا أحد ممن عصى اللّه تعالى ، فهي باقية على أصل الفطرة ، وهي قريبة من أرض بلغار ، وبلغار بلدة في العجم لا تجب فيها صلاة العشاء في أيام الشتاء « 1 » ، لأن شفق الفجر يطلع قبل غروب شفق المغرب فيها ، فلا يجب عليهم صلاة العشاء ، ولا حاجة إلى تبيين عجائب الأرض لما قد نقلت الأخبار من عجائبها مما لا يحتاج إلى ذكره فافهم ما أشرنا إليه ، وهذه الأرض من أشرف الأراضي وأرفعها قدرا عند اللّه تعالى ، لأنها محل النبيين والمرسلين والأولياء الصالحين ، فلولا ما أخذ الناس من الغفلة عن معرفتها لكنت تراهم يتكلمون بالمغيبات ويتصرّفون في الأمور المعضلات ، ويفعلون ما يشاءون بقدرة صانع البريات ، فافهم جميع ما أشرنا إليه ، واعرف ما دللناك عليه ، ولا تقف مع الظاهر ، فإن لكل ظاهر باطن ، ولكل حق حقيقة والسلام . وأما الطبقة الثانية من الأرض : فإن لونها كالزمردة الخضراء تسمى أرض العبادات ، يسكنها مؤمنون الجن ، ليلهم نهار الأرض الأولى ، ونهارهم ليلها ، لا يزال أهلها قاطنين فيها حتى تغيب الشمس عن أرض الدنيا ، فيخرجون إلى ظاهر الأرض يتعشقون بيني آدم تعشق الحديد بالمغناطيس ، ويخافون منهم أشد من خوف الفريسة للآساد ، دورة كرة هذه الأرض ألفا سنة ومائتا سنة وأربعة أشهر ، ولكن ليس فيها خراب ، بل الجميع معمور بالسكنى ، وأكثر مؤمني الجن يحسدون أهل الإرادات والمخالفات ، فأكثر هلاك السالكين من جن هذه الأرض يأخذون الشخص من حيث لا يشعر بهم ، ولقد رأيت جماعة من السادات ، أعني طائفة من متصوّفة هذا الزمان مقيدين مغلغلين ، قد قيدهم جن هذه الأرض ، فأصمهم وأعمى أبصارهم ، وقد كانوا ممن يسمع كلام الحضرة بأذنيه ، فصار إذا خوطب من غير جهة هذه الأرض لا يسمع ولا يعقل ، وهم محجوبون بما هم فيه ، فلو قيل لهم بما هم عليه لأنكروا ذلك ،

--> ( 1 ) من الأصل المطبوع